أنا و ستيف جوبز « مغامرات برمجية

أنا و ستيف جوبز

نّشر في: 2011/10/06
وسوم: ,
تعليقات: تعليق واحد

لا أعتقد أن هذه المدونة ستكون أول مكان تسمع فيه هذا الخبر. نبأ وفاته هو حديث جميع مصادر الأخبار، وهو أمر متوقع لشخص له وزن ستيف جوبز وصيته. قلة جداً من الناس يمكنك أن تقارن تأثيرهم على مجال الحاسب (وبالتالي العالم بأكمله) بالتأثير الذي تركه ستيف جوبز. كلنا، دون أي استثناءات، تأثرت طريقة حياتنا بانجازات هذا الرجل. وتأثيره علي شخصياً بدأ من سن مبكرة. مدخلي إلى هذا العالم الحاسوبي كان عن طريق أحد منتجات شركة Apple. وستيف جوبز نفسه قد يكون أول شخص لزق في ذهني كوجه بشري للثورة الحاسوبية (قبل بيل غيتس بسنوات).

Steve Jobs

صورة نعي ستيف جوبز كما ظهرت في موقع Apple

أحد أهم المحاور التي دارت حوله نشأتي في الثمانينات الميلادية هو جهاز جلبه والدي معه من أمريكا بعد أن أنهى دراسته هناك. هذا الجهاز كان يدعى Apple II plus. جهاز كمبيوتر شخصي في زمن مغبر كانت فيه أجهزة التلفزيون ما زالت عجائب تثير الدهشة.

Apple II plusجهاز ذو ذاكرة 64 كيلو بايت (لاحظوا أنها كيلو وليست ميغا!). قدرته الرسومية تبلغ 15 لون في وضع 40×48 و 6 ألوان في وضع 280×192. ومعه سواقة أقراص لينة مقاس 5.25 بوصة بسعة قصوى تبلغ حوالي 140 كيلوبايت لكل وجه (عليك قلب القرص يدوياً). أعرف أن هذه المواصفات تبدو بدائية لدرجة السخافة هذه الأيام (جوالك القديم الذي رميته من سنوات كان أقوى منه)، لكن في تلك الأيام الحجرية كان أعجوبة. على الأقل كان كذلك بالنسبة لي.

لم يكن الجهاز الالكتروني الوحيد حولي. ولكنه انفرد بخاصية هامة جداً. هذا الصندوق السحري كان يطيع أوامرك! نعم يطيعها طالما كانت ضمن مقدراته المتواضعة، ولكنه كان قابلاً للتغيير. بالذات مقارنةً بجهاز الـAtari الذي عليك أن تشتري شريطاً جديداً له ليقوم بشئ مختلف.

أحد أوائل ذكرياتي عن المرحوم والدي هي رؤيته في مكتبه ضائعاً بين أكوام كتب الرياضيات والتربية (تخصصه) أو أمام شاشة الجهاز يقرع أزراره ليطوعه لإرادته. وكأي طفل يرى والده كأعظم شخص في العالم، والقدوة التي يتبعها في كل شئ، انصب اهتمامي على شيئين: أن أتعلم كيف أقرأ مثل هذه المجلدات المهولة، وأن أتعلم كيف أروض هذا الوحش الالكتروني. وكشخص وهب نفسه للتعليم، كان والدي سعيداً لتلبية طلبي.

وهذا انطلقت رحلة برمجية بدأت قبل حوالي 24 سنة، وما زالت مستمرة. بدأت ببضعة أسطر من لغة Applesoft Basic. كانت برامج بسيطة طبعاً، ولكنها كانت كافية لتوقد خيالي الغض. عندما سمعت بخبر وفاة ستيف جوبز خطرت لغة طفولتي هذه ببالي. ووجدت هذا الـemulator المطور بجافاسكريبت. قضيت فيه بعض الوقت أسترجع ذكرياتي.

Applesoft Basic Emulator

برنامج بسيط بلغة Applesoft Basic يعمل على Emulator

لكن كفى كلاماً عني. لنتحدث عن ستيف جوبز. أو بالأصح انجازاته. إذا أردتم معرفة المزيد عن ستيف جوبز الإنسان، فالويب ملئ بالسير الذاتية. أو يمكنكم مشاهدة فيلم Pirates of Silicon Valley الذي يصور (بشكل دقيق كما قيل لي) بدايات كلاً من ستيف جوبز وبيل غيتس، من شباب تملأهم الأحلام، إلى رجال أعمال شرسين.

Noah Wyle as Steve Jobs

الممثل Noah Wyles في دور Steve Jobs في فيلم Pirates of Silicon Valley

عندما أسس شركة Apple مع زميله، عبقري الإلكترونيات، ستيف ووزنياك، كان عالم الحاسب تحكمه شركات الحواسب الضخمة أمثال IBM. وكانت أجهزة الكمبيوتر هي آلات لا تجدها سوى في الشركات العملاقة وكبريات الجامعات البحثية. والأجهزة الشخصية المنزلية كان خيالاً لم يكن يرقى حتى لأن تسميه حلماً سوى لقلة من الهواة. لكن هذه كله تغير حينما أطلق ستيف وستيف أول منتجاتهم (من غاراج سيارة ستيف جوبز): جهاز Apple I. واحد من أوائل الكمبيوترات الموجه للهواة واكثرها تطوراً. لأول مرة صار باستطاعة الهواة ربط جهاز حاسب منزلي بجهاز تلفزيون عادي لرؤية نتائج برامجهم، مما يؤدي لتقليل التكاليف. قد يبدو هذا أمرا بديهياً اليوم، ولكن في ذلك العهد كانت الطابعات وأجهزة العرض المخصصة هي سيدة الموقف.

 

Apple Logo

شعار شركة Apple في الثمانينات

ثم جاء جهاز Apple II. أول جهاز منزلي ملون، وأول جهاز حاسب موجه للأفراد العاديين، وليس لهواة الالكترونيات. وتتاليت التطويرات بعد ذلك. وفي تلك الأيام الجميلة كانت فلسفة Apple ما زالت في صف هاوي الحاسب. حيث أن أجهزتها كانت مصممة ليكون من السهل الولوج إلى أمعائها وتغيير قطعها. وهو أمر، في انقلاب مثير للدهشة، تغير فيما بعد. ولكن دعنا لا نستبق الأحداث.

التطور الضخم التالي كان أجهزة Macintosh. حين انتقل مستخدمو الحاسب من واجهات الاستخدام النصية إلى واجهات الاستخدام الرسومية. وظهر الماوس لأول مرة للمستخدم العادي. وفي وقت كانت الكمبيوترات لا تحوي سوى على خط كتابي واحد موحد العرض mono spaced، ضم جهاز Macintosh مجموعة من الخطوط المختلفة التي لا تختلف كثيراً عن تلك التي تستخدمها المطابع. لهذا السبب اقترنت أجهزة Macintosh بصناعة النشر والرسم حتى وقت قريب.

وعندما تم طرد ستيف جوبز من منصبه كمدير مجلس إدارة Apple بسبب خلافاته المستمرة وشخصيته المستفزة، لم يتوقف في مكانه. وأسس شركتين مهمتين جداً.

NeXT

الأولى كانت شركة NeXT للحواسب. عمرها كان قصيراً ونجاحها التجاري محدود. ولكن تأثيرها ممتد حتى الأن. في هذه الشركة استمر التطوير في مجال واجهات الاستخدام، وتصميم الحواسب الجذاب. كان ضمن أحد أبرز مستخدمي أجهزة NeXT هو شخص يدعى Tim Bernes-Lee. لمن لم يعرف هذه الاسم، يكفيك أن تعرف أن هذا المهندس هو والد الإنترنت بشكله الحديث. وطور أول متصفح ويب على جهاز NeXT.

Toy Story

فيلم Toy Story، أول فيلم كامل الطول تنتجه Pixar

الثانية كانت شركة Pixar للرسوم المتحركة ثلاثية الأبعاد، التي أصبحت معروفة بمجموعة من الأفلام الذائعة الصيت مثل سلسة Toy Story وFinding Nemo وغيرها، التي تم نشرها تحت راية شركة ديزني. تحت قيادة Pixar أصبحت الرسوم الكمبيوترية وسيلة حقيقية لتصوير الأفلام. لدرجة أن هذه الأيام لم يعد يخلو أي فيلم من تدخل حاسوبي، وأصبحت أفلام الرسوم المتحركة المرسومة يدوياً سلعة نادرة.

في غيابه، عانت شركة Apple مجموعة من السنوات العجاف. وعندما عاد إلى الشركة التي ساهم في تأسيسها كانت على شفير الإفلاس. وبعودته نشّط منتجاتها، مستفيداً من الدروس التي تعلمها في شركة NeXT. وفي بداية عهده الثاني تم تدشين جهاز غيّر طريقة رؤيتنا للحواسيب الشخصية. جهاز iMac.

First iMac

أول جهاز iMac

في ذلك الوقت كانت جميع أجهزة الحاسب رمادية أو بيجية اللون. دون أي مبالغة. إذا كنت مميزاً، كان جهازك أسوداً. وفي خضم هذه الألوان المملة وصناديق الـCPU المستطيلة، سطعت ألوان iMac المبهرجة ومنحنياته الظريفة كانفجار نووي. هواة الحاسب الجادون أبدوا قرفهم من هذا الدخيل من البداية. وانتقدوا تصميمه المغلق وعدم احتوائه على سواقة أقراص. ولكن نجاح الجهاز الباهر أعلن لهم حقيقة مرّة رفض الكثير منهم تصديقها لفترة طويلة. الفرد العادي لا تهمه هذه الأشياء.

فجأةً أصبح الفرد العادي، الغير ضليع في التقنية، هو الهدف الرئيسي لـApple. وأصبحت إعادة اختراع تقنيات قديمة بشكل جذاب هو السمة المميزة لمنتجات Apple. لم يكن iPod هو أول جهاز MP3، ولا كان iPhone أول جهاز هاتف ذكي، ولا الـiPad أول جهاز لوحي. ولكن تصميم Apple الفريد، وفلسفتهم في جعل الفرد العادي هو المستهدف، جعلت هذه الأجهزة هي المقياس الذهبي الذي يقيس به الآخرون نجاحهم.

هذه الفلسفة جاءت بتبعات سيئة بالنسبة لهواة الحاسب. أصبح أسلوب “الحديقة المغلقة” هو السائد. لم يعد للمستخدم حرية تغيير أجهزتهم كما يريدون. لن تستطيع تغيير حتى بطارية الـiPhone، ولا يمكنك نشر برنامج له دون أن تمر بمتاهة الترخيص وتحصل على موافقة Apple.

بينما احتفل شعب الأرض بستيف جويز كأنه محرر الشعوب، تمتم هواة الحاسب امتعاضهم منه. وربما لأول مرة في التاريخ اتفق هواة ويندوز ولينوكس على شئ واحد.

قد يكون من السهل رسم ستيف جوبز الجديد (أو iSteve كما يحلو للبعض تسميته) بأنه شخص شرير، سحب البساط من تحت أرجل هواة الحاسب الجادين. لكن الحقيقة دائماً أعقد من أن ترسم بلونين. هل حقاً تعتقدون أن Android (منقذ هواة الحاسب الجديد) كان سيرى النور لولا نجاح iPhone؟ أو أن تقنية اللمس ستكون منتشرة لولا انتشار iPad؟ وهل حقاً كان سيمكننا شراء نسخ رقمية من الموسيقى دون DRM لولا تدخل iTunes وiPod؟

لكم حرية أن تصنفوا ستيف جوبز بأنه بطل أو شرير. ولكن ما لا يمكن أن يفعله المرء هو تجاهل هذا الرجل، أو إنكار تأثيره الكبير على جغرافية العالم التقني.

 

Post to Twitter

تعليق واحد - أضف تعليق
  1. سلمان بت قال:

    يا سلام .. رائع والله :)

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>


مرحباً , تاريخ اليوم هو الخميس, 2017/03/23