موقع اللغة العربية من الإعراب (تقنياً) « مغامرات برمجية

موقع اللغة العربية من الإعراب (تقنياً)

أي شخص يرتاد منتديات البرمجة العربية يعرف هذه الظاهرة. كل شهرين أو ثلاث سيسطر أحدهم موضوعاً عن اللغة العربية ومكانتها بين لغات العالم في الترتيب العلمي. قد يختلف الموضوع من وقت لآخر، تارةً سيكون عن حركة الترجمة السلحفائية، وأحياناً يكون عن تطوير نظام تشغيل عربي، ومن وقت لآخر يظهر موضوع لغات البرمجة العربية. ولكن مع الاختلاف الظاهري لهذه المواضيع يبقى اللب نفسه: اللغة العربية وبالتالي الثقافة العربية. هذه المواضيع دائماً ستكون مطعّمة بعبارات مثل “النهضة” و”كفانا تبعية” وللأسف أحياناً أيضاً تصبغ بصبغة دينية.

الثابت الآخر هو أن هذه المواضيع دائماً تولد نقاشاً طائلاً بين مشجعي الفكرة وخصومهم الذين يرددون عادةً شعارات “الوضع الراهن” و”القومية الزائفة” وما إلى ذلك.

سيقوم سائلٌ ويقول “ماذا عنك أنت يا System Down؟ يا صاحب الإسم المستعار الإفرنجي؟ لأي حزبٍ تنتمي؟ أبيض أم أسود؟”

كعادتي، دائماً أحب أن أؤكد أنه لا وجود لازدواجية الأبيض والأسود سوى في الموت والحياة. وموقفي (وموقف أي شخص في الواقع) أعقد من أن يتم اختزاله في “أنا أهلاوي!”. لهذا السبب قررت أن أكتب هذه المدونات تحت تصنيف “اللغة العربية والبرمجة”؛ لأتحفكم بفلسفتي الزائدة :)

ما زلتم هنا؟ حسناً، دعوني أقول أولاً أنه من الصعب الكلام في هذا الموضوع دون استخدام الشعارات الرنانة. أدرك هذا. ولكنني سأحاول الابتعاد عنها قدر الإمكان للحفاظ على موضوعية المدونة. ولكنني سأشارككم بفكرة أؤمن بها بشكل عميق، ويمكنني أن أقول أنها تشكل القاعدة الأساسية التي تنبثق منها جميع آراءي في هذا الموضوع:

هل هناك مكان للّغة العربية في تقنية المعلومات؟ نعم. هل هو مكان مهم؟ كلا.

إذا كان هناك من بدأت يده “تأكله” ويريد أن يرسل لي تعليقاً أقول له: اقرأ السطر السابق مرة أخرى. حركه قليلاً في دماغك واستوعبه، ثم اقرأ المقالة للنهاية. وبعد ذلك أكون سعيداً بتلقي آراءكم جميعاً.

اللغة العربية مكانتها محفوظة. هذا أمر معروف. أنا لا أنادي بترك هويتنا والالتحاف بهوية أخرى. ولكنني ضد “التقوقع” الذي يراه البعض كحل للخروج من الشرنقة السميكة التي نجد نفسنا فيها. “إما العربية أو لا!” هي مجرد مثال آخر لتمثيل كل شئ بازدواجية الأبيض والأسود. هناك أماكن ستبقى اللغة العربية فيه متسيدة مهما عملنا وتكلمنا. لكن هناك أماكن أخرى ستبقى فيه متأخرة. على الأقل إلى المستقبل المنظور.

ما أرمي إليه هو أنه حان للكثير منا أن يدرك أن لغة العلم (أو على الأقل علم الحاسب) هي اللغة الإنجليزية. هل هذا بسبب تفوق جوهري للإنجليزية على العربية؟ كلا. السبب تاريخي بحت.

علم الحاسب الحديث ظهر بشكل رئيسي بالصورة التي تعرفها كسلاح في الحرب العالمية الثانية. كلا الطرفين استخدمه لكسر شفرات رسائل الثاني. ومع انتصار الحلفاء أصبح العلماء الأمريكيون والبريطانيون هم متسيدوا الموقف في هذا العلم. وبشكل طبيعي أصبحت جميع التطورات في هذا العلم تحدث في البلاد الأنجلوفونية.

لكن ماذا عن حركة الترجمة؟ ألم تتم ترجمة علوم أخرى إلى العربية؟ ألم يبدأ الجيل الأول من العلماء المسلمون نهضتهم بترجمة المراجع الإغريقية واللاتينية والهندية؟ مالذي يجعل علم الحاسب استثناءً؟

المشكلة تكمن في طبيعة علم الحاسب. كل علم له جانب نظري وتطبيقي. سرعة تطور الجانب التطبيقي عادةً تكون أسرع بمراحل من سرعة الجانب النظري، ولكنه يعتمد عليه في النهاية. معظم العلوم جانبها النظري بطئ نوعاً ما. قوانين الفيزياء لا تتغير كل يوم أو حتى كل سنة. ولكن علم الحاسب النظري نفسه سريع جداً في التطور. مما يعني أن سرعة تطور الجانب التطبيقي منه هائل السرعة. لا توجد حركة ترجمة في العالم تستطيع اللحاق به. لهذا، رغم اختلاف جنسيات المبرمجين، تبقى الكتب الإنجليزية هي المرجع الذي يعود إليه الجميع.

إذا ذهبت الآن إلى أي مكتبة عربية وذهبت إلى قسم كتب الحاسب باللغة العربية ستجدها عامرة. ولكن إذا دققنا أكثر في مواضيع هذه الكتب فستصبح النظرة أكثر سوداوية. معظمها سيكون حول استخدام الحاسب، ما بين أوفيس وويندوز وفوتوشوب، أمور موجهة أكثر للمستجدين على عالم الحاسب، وليست شيئاً سيعطيها المحترف المتمرس أكثر من 5 ثواني من وقته. الكتب الموجهة للمبرمجين ستبدو كأنها كتب مستنسخة من بعضها البعض. عدد لا بأس به من كتب C++، بضعة كتب جافا، وطبعاً لغات الدوت نت. لا بأس بهذا أليس كذلك؟ إنها تعكس متطلبات السوق. ولكن لو دققنا النظر أكثر ستجد أنها إما تغطي إصدارات قديمة، أو أنها من نوع “تعلم في 24 ساعة”.

نظرة سريعة إلى قسم الكتب الإنجليزية وسترى الفرق. لن تجد كتباً عربية تبحر في مواضيع متقدمة مثل الـLinq أو الـDynamic Programming. ناهيك طبعاً عن تغطية لغات أخرى لا يعطيها سوقنا “وجهاً” مثل Python أو Perl رغم شيوعها خارجه.

هل الحل بتغطية هذا الفراغ بالمزيد من الترجمة؟ هذا مستحيل فيزيائياً. حركة الترجمة دائماً تتبع حركة التأليف، مهما كانت سرعة المترجمين. وبينما ننتظر أن تلحق حركة الترجمة بالركب ستكون قد صدرت أمور جديدة ربما تجعل ما لم ننتهي حتى من ترجمته أمراً منسياً من أمور الماضي. عجلة تسارع علم الحاسب كما أسلفت سريعة جداً. لذا الاعتماد كلياً أو حتى جزئياً على حركة الترجمة كوقود لتحريك تطورنا المعلوماتي هي أمر سينتهي بالفشل لأننا وقتها سنكون دائماً بعد الجميع بخطوة، إن لم تكن إثنين.

هل حقاً إذن أنه لا مكان للكتب العربية؟

كلا. الكتب العربية لها دورها. أنا لن أتوقع من طالب الابتدائية مثلاً أن يستطيع قراءة الكتب العلمية بالإنجليزية. ولكن من المهم أيضاً أن ندرك حدودها. لا بأس بها كبداية، كطرف خيط. لكن أي شخص جاد في أن يكون جزئاً من هذا العالم يجب عليه إجادة اللغة الإنجليزية قراءةً. لا توجد أي استثناءات لهذا القانون. أنا لا أقول أن كل مبرمج يجب أن يكون شكسبير زمانه، ولكنني أؤمن بأن مهارة القراءة بالإنجليزية أصبحت الحد الأدنى هذه الأيام. شخصياً، لو أنه طلب مني توظيف مبرمج فلن أنظر إلى أي شخص جدياً إذا لم أجد لديه هذه المهارة. لأنه بدونها سيكون علي أن أمسك يده كل ما مرت عليه مشكلة جديدة لم يمر بها من قبل.

لنترك الشعارات القومية الرنانة، ولننظر إلى العالم الحقيقي وكيف يعمل. وقتها فقط نستطيع أن نحاول أن نلحق بالركب.

 

 

 

Post to Twitter

6 تعليق - أضف تعليق
  1. سنان محمد صالح قال:

    هل هناك مكان للّغة العربية في تقنية المعلومات؟ نعم. هل هو مكان مهم؟ كلا.

    هي اجمل جملة قيلت في المقال ولخصت الكثير . واريدك ان تقتبسها مستقبلا في اي موضوع يذكره الاخرون في المواضيع التي يريد اصحابها انجاز المشاريع العربية لانها عربية ..

    ردي على الموضوع ..
    هي المشكلة ان الجميع يريدون سمعة وشهرة ويستدموا ذلك لانه ( أول ) .. فما اجملها لو قال (أول نظام عربي .. أول لغة برمجة عربية .. ) .. الخ من الاحلام الرنانة ..
    لو تم في يوم من الايام وانجز هذا المشروع فهو شئ له التقدير وبالفعل يعتبر انجاز رائع ..لكن يجب قبل البدأ في هذا المشروع ان يتم حساب الوقت والتكلفة المادية وكذلك الوقت الذي سينتهي به التطوير .. هل من المنطق ان اجند 100 مبرمج ل5 سنوات لينجزوا نظام ..وفي ذلك الوقت لا نعلم ماهو التطور الحاصل في الانظمة ؟؟
    اذا كانت ميكروسوفت تطور الوندوز 7 الى 8 ب3 سنوات ..؟؟ كم سنحتاج لبناء نظام جديد ؟برأيي اضربها في 10 .. لتصبح 30 سنة .. اذا شاء تعالى ان نعيش الى ذلك العمر ..لنرى الحلم قد تحقق .. مع وندوز 20 …

    تحياتي العطرة ..

  2. openSuSE قال:

    نحن العرب لا نفكر بشكل تقني وتكنولوجي بالامور (اتكلم بشكل عام)، لان الجميع يريد ان يبني البرنامج وان يجلب له الشهره فيكون السباق وما شابه كما ذكر الاخ سنان – اول برنامج عربي واول .. الخ –
    بفكروا انه النهضه وانه التقدم هو ببناء هذه الانظمه باللغه العربيه ، واضف على ذلك اعاده اختراع العجله

  3. AraK قال:

    مقال جميل و أسلوب قل مثيله بين المدونات التقنية :)

    لدي ثلاث نقاط أتمنى أن تستمع إليها بصدر رحب. الجانب النظري من علوم الحاسوب بطيء جداً مقارنة بالعلوم الأخرى, لأنه في النهاية فرع من الرياضيات. و الجانب النظري موجود منذ زمن طويل, و هو أقدم من الحرب العالمية الثانية التي بدأ الجانب التطبيقي للعلم وقتها بالظهور على السطح كأداة حقيقة خارج معامل العلماء. مشكلة الترجمة ليست في سرعة تغير المصدر الأصلي, لأن الذي يجب أن يترجم هو الطبقة العليا من الكتب العلمية التي يجب أن تدرس من قبل الخبراء الأكاديميين و العلماء لينتجوا لنا بعدها الطبقة الميسرة من الكتب, أو سمها مابالطريقة التي تحب “تعلم س في 24 ساعة”. هذا النوع من الكتب يسمى في لغتنا أمهات الكتب, و لذلك لم نستفد من ترجمة الكتب التقنية في زماننا كما استفاد منها أسلافنا لأنهم ترجموا أمهات الكتب بينما ترجمنا الكتب التجارية.

    • System Down قال:

      نعم علم الحاسبات (أو علم الحساب الميكانيكي كما كان يعرف) قديم جداً. ولكنني قصدت علم الحاسب الحديث “بالشكل الذي نعرفه الآن” مستقى بشكل شبه كامل من المشاريع الحربية الأمريكية والبريطانية. ستجد اليوم آثاراً لـMark I وEniac بينما قلما ستسمع عن Plankalkül.

      نعم هناك “قلب” لعلم الحاسب لا يتغير كثيراً، وهو الجانب الرياضي النظري البحت جداً. لكننا لو خطونا خطوة واحدة فقط بعيداً عنه سنجد نفسنا في جغرافية سريعة التغير. نظريات تصميم لغات البرمجة، تصميم الـcompilers، الـOS Kernels، … إلخ. كل هذه أمور ما تزال بدرجة كبيرة بعيدة عن التطبيق مما يسمح لنا باعتبارها علوم نظرية. هذه “الطبقة” هي المشكلة الحقيقة. الترجمة فيها قليلة جداً (إن لم تكن منعدمة) و تطورها سريع بما فيه الكفاية مما يجعله من غير العملي (والاقتصادي) محاولة اللحاق ترجمةً به.

  4. password123 قال:

    ليس فقط مع الكمبيوتر. حتى في العلوم الأخرى ماقدمناه (كعرب) اشياء بسيطة لا تكاد تذكر
    والاسماء الرنانة مثل الخوارزمي هم من اصول اعجمية

    يعني لو نرجع الى الماضي عندما كان المفروض اننا كنا متوفقون علميا
    وثم نمسك اسماء العلماء واحدا تلو الآخر، سنجد انهم علماء من اصول فارسية واعاجم آخرون

    هو الذي حصل بالضبط: ان الاسلام (في الماضي) فتح دماغنا – نحن العرب – قليلا
    والنتيجة كانت: المساواة بين البشر مما ساهم في جلب عقول العلماء..
    خاصة ان هذا صادف الdark ages قديما في اوروبا، وهكذا اصبحنا افضل بيئة علمية
    ومعظم هؤلاء العلماء كانوا من اصور “غير” عربية
    هذا الواقع. والذي يريد ان يبكي انصحه يضع اسماء علماء مع “اصول” عربية ونحسبب عددهم كام؟

    والآن بعدما عدنا لمراتع لات والعزى بنعراتنا العنصرية البغيضة، اصبحنا ننفر العلماء الأعاجم
    ليس لدينا الآن سوى تاريخ وبقايا علوم تكرم به علينا الأعاجم في الماضي

    ومجال تقنية المعلومات هو امتداد لهذه القصة.. التاريخ يكرر نفسه لكن مع الكمبيوترات والسوفتوير..
    لا جديد.. هناك من سيبكي انه عرب وغيرو من كلام.. لكن القافلة تسير نحول المسار العلمي
    والنعرات العنصرية تعتبر off-topic بنسبة 100%… لا اعلم عالم برع في تقنية المعلومات لانه عنصري. كلهم يساهمون في التكنولوجيا لانهم يستمتعون بما يقومون به

  5. sasa1 قال:

    أنا معك فيما قلت

    بكل صراحه سنين من عمري وأنا أتخبط بين لغات البرمجه من أجل أن أتعلمها

    وكانت رؤس أقلام فمن الظلم ان أقول انها أساسيات لأنها لم تعطي سوى جانب بسيط

    أتكلم هنا عن الدروس العربية للبرمجه …

    أما من ناحية المشاريع الضخمه كنظام ولغة برمجه

    فجعلها بصيغه قوميه لن تنجح ذلك النجاح المأمول ولن يكون لها صيت عالمي

    فكل لغات البرمجه المشهوره عالميا بالأنجليزية

    كنت قد غلفت نفسي بالقوقعه التي ذكرتها ولم أكن أريد أن أتعلم الأنجليزيه سابقا

    بسبب إعتزازي بلغتي العربية

    ولكن فيما بعد أيقنت أنني أضيع وقتي , بل يكفي الوقت الذي أضعته سابقا

    قمت بحفظ كلمات أنجليزيه وأخذ دروس فيها ومن أجل أن أستفيد من وقتي الحالي في تعلم البرمجه

    أستخدمت إضافه للفيرفوكس سهلت علي ترجمة العديد من الكلمات والجمل الشائكه

    https://addons.mozilla.org/en-US/firefox/addon/globefish/

    ولكن هذا لا يمنع أن تترجم الأساسيات

    فمفهوم لغة البرمج بلغة غير لغة الأم سيجعل فهمها معقدا

    إذا تعلم البرمجه مثلا:

    1- تعلم الأساسيات بلغتك الأم

    2- الإحتراف باللغة الأنجليزيه

    طبعا الأساسيات تغيرها بطيء وبالتالي ستلحق بها عاجلا أم آجلا السلحفاة ..

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>


مرحباً , تاريخ اليوم هو الثلاثاء, 2017/02/21